مكانة فقه الواقع في الكتاب و السنة

بقلم خديجة الكـــود

"المقرر شرعا و عقلا، اعتقادا و عملا، نصا و اجتهادا، رأيا و إجماعا، إجمالا و تفصيلا، أن القرآن الكريم ينطوي على أرقى المقاصد و أكبرها، و أعلى المصالح  و  أعظمها،  فهو  أصل  الأصول و مصدر  المصادر،  و  أساس  النقول  و  العقول  و  قاعدة أي بناء  حضاري  يهدف  إلى  الاعمار  و التنمية و الازدهار و التقدم و الصلاح و غير ذلك من الغايات و المقاصد التي  ترنو  جميع  الشعوب و الأمم إلى تحقيقها"[1] فتشريعاته مبنية على منطق التيسير لتتسع لكل الناس و على مبدأ الواقعية لتراعي ضعف الناس و كثرة أعبائهم و تعدد مشاغلهم و ضغط الحياة و متطلباتهم في كل مكان و زمان و حال فالقرآن نزل ميسرا للذكر و العقيدة ميسرة للفهم، كما أن الشريعة ميسرة للتنفيذ و التطبيق ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾[2]  بخلاف الأديان الوضعية و المرحلية التي خالطتها أوهام البشر و دخل عليها التحريف فنجدها مفرقة في الماديات أو في الروحيات و تعاليمها لا توافق العقل و لا تلائم الفطرة.

فالله تعالى أنزل القرآن لإخراج الناس من الظلمات إلى النور و من جور الأديان إلى عدل الإسلام و من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. و القرآن يدعو إلى عبادة إله واحد لا شريك له دلّ على نفسه أنه الحق تبارك و تعالى بصفات و أسماء و آيات مجسدة في الأنفس و الآفاق يقول سبحانه: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ فصلت/53 و بعث الله نبيه الأمين ليس إلها و لا ابن إله و لا ملكا و إنما هو إنسان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق يقول تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إلاه واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ الكهف/105 و لأن الله جل شأنه أعلم بنفوس الناس و ما يناسبهم من تشريع أو حكم أو تعليم ﴿ألا يعلم من خلق و هو اللطيف الخبير﴾ الملك/14 فإنه اختار لتبليغ دعوته خير الرسل و بعثهم لأقوامهم خاصة قبل سيدنا محمد (ص).
يقول الله عز وجل: ﴿ و إلى عاد أخاهم هودا ﴾ هود/50، ﴿ و إلى مدين أخاهم شعيبا ﴾ هود/84، و قوله ﴿ و إلى ثمود أخاهم صالحا﴾  هود/ 61 و  المراد  هنا  أخوة  النسب  و القبيلة، و يقول تعالى ﴿و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء و يهدي من يشاء و هو  العزيز الحكيم﴾  إبراهيم/40  فأرسل  الله  رسله  لإصلاح  واقع  الناس  و تصويب مسيرتهم و توجيه حياتهم نحو ما فيه صلاحهم في الدنيا و الآخرة، فهذا شعيب بعثه الله لإصلاح واقع ساد فيه الفساد الاقتصادي بعدما حاد قومه عن دين الله يقول الله سبحانه و تعالى: ﴿و إلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره و لا تنقصوا المكيال و الميزان إني أراكم بخير و إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط، و يا قوم أوفوا المكيال و الميزان بالقسط و لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾(هود 83-85 و بعث الله لوطا لمعالجة الفساد الأخلاقي و الاجتماعي الذي كان مجسدا في قومه يقول سبحانه ﴿و لوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة و أنتم تبصرون أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون﴾ النمل/54-55 ثم إن الشرك بالله و الطغيان قد أغرق قوم سيدنا موسى في الفساد السياسي  يقول الله تعالى: ﴿إن فرعون علا في الأرض و جعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم و يستحي نساءهم إنه كان من المفسدين﴾ القصص/3 و في الفساد الاقتصادي يقول سبحانه: ﴿إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم و آتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين﴾ القصص/76. لهذا شغلت أنباء الأمم السابقة مجالا مهما في القرآن الكريم من خلال القصص التي تصور واقعا حيا يستعرضه علينا القرآن كأننا نشاهده فتكون منه الدروس و العبر للأمم و التثبيت و الصبر على الأذى لحملة الرسالة و موعظة و ذكرى للمؤمنين، يقول تعالى: ﴿و كلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك و جاءك في هذه الحق و موعظة و ذكرى للمؤمنين﴾ هود/189. فهذا القصص القرآني نكتشف من خلاله أسس بناء الحضارة الإنسانية عبر تبين منهج و سنن تنطلق من عالم النفوس و تمتد في عالم المجتمع ثم تنتشر في عالم الثقافة لتدخل إلى عالم التاريخ و تتحول فيما بعد إلى منهج للسير في الأرض من أجل الاهتداء إلى السنن الإلهية قال تعالى: ﴿يريد الله ليبين لكم و يهديكم سنن الذين من قبلكم و يتوب عليكم و الله عليم حكيم﴾ النساء/26 "فمشيئة الله تسير على نظم ثابتة و سنن حكيمة ترتبط فيها الأسباب بالمسببات و المقدمات بالنتائج و إن كان الله قادرا على كل شيء، و تلك السنة في الماضين  و  اللاحقين  هي  أن  من  سار  على  منهاج  الطائعين  المؤمنين  الموفقين  حظي  بالسعادة  و  النصر و الفلاح، و من سار في طريق العصاة المكذبين كانت عاقبته خسرا و دمارا و هلاكا..."[3]
كما نجد في القرآن الكريم أمثالا كثيرة نابعة من واقع الإنسان و تقرب إليه الحكم و المقاصد في تصوير واقعي بليغ يقول تعالى ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة و الله يضاعف لمن يشاء و الله واسع عليم﴾ البقرة/260 قال الكلبي "نزلت في عثمان بن عفان و عبد الرحمان بن عوف، أما عبد الرحمان فإنه جاء إلى النبي (ص) بأربعة آلاف درهم صدقة فقال: كان عندي ثمانية آلاف درهم فأمسكت منها لنفسي و لعيالي أربعة آلاف درهم و أربعة آلاف أقرضتها ربي فقال له رسول الله (ص) بارك الله لك فيما أمسكت و فيما أعطيت، و أما عثمان رضي الله عنه فقال: علي جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها و أحلاسها و تصدق برومية كانت له على المسلمين فنـزلت فيهما هذه الآية"[4]
و قد عد الإمام الشافعي علم الأمثال مما يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن و من أهم ما يسترعي اهتمامنا عند تدبر كتاب الله عز و جل مراعاته للواقع الزماني و المكاني فكان من  آياته  المكي و المدني و كان منها ما يراعي حاجات الناس و متطلباتهم فكان القرآن ينـزل منجما و  مجيبا  ومقوما و مصلحا و موجها لحياة الناس و الآيات كثيرة في هذا المجال نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: ﴿و يسألونك ماذا  ينفقون قل العفو﴾ البقرة/217 و قوله تعالى: ﴿و يسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾ البقرة/220 و قوله: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ النساء/175، ﴿يسألونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير و منافع للناس و إثمهما أكبر من نفعهما﴾ البقرة/217
و قد راعى القرآن الكريم واقع الحياة فلم يطلب من المسلم الانقطاع للعبادة و إنما كلفه بعبادات محدودة تجعله في اتصال عمودي مع السماء دون أن ينقطع اتصاله الأفقي مع المجتمع  و تسمح له بأن يزرع آخرته دون أن يخرب دنياه كما نلاحظ في القرآن تنوع العبادات فمنها البدنية كالصلاة و الصيام و أخرى مالية كالزكاة و الصدقات و ثالثة موسمية كالحج ثم فتح الباب لمن أراد أن يستزيد من الخير و القرب من الله ﴿فمن تطوع خيرا فهو خير له﴾[5] و لأن القرآن راعى الظروف الطارئة على الإنسان فقد شرع لها رخصا و تحقيقات  فأجاز أن يصلي المريض قاعدا أو مضطجعا ويتيمم الجريح و يفطر المريض في رمضان و يقصر المسافر الصلاة و في القرآن نماذج  كثيرة  تظهر  مراعاة  النفس  الإنسانية  و أحوالها العارضة رفعا للحرج و قد أخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) : (إن القرآن نزل على خمسة أوجه، حلال و حرام  و  محكم  و  متشابه  و  أمثال:  فاعملوا  بالحلال و اجتنبوا الحرام و اتبعوا المحكم و آمنوا بالمتشابه و اعتبروا بالأمثال)[6]
إن فقه الواقع نراه متجليا في كل آيات القرآن الكريم و في كل ما  نصت  عليه  من  عبادات  و أخلاق و تشريعات تكون شاهدة على من ظلم نفسه و قصر في حق الله  تعالى  و ميسّرة  للمقتصد و المقتصر على فعل الواجبات و مشجعة للسابق بالخيرات و هذه الأصناف الثلاثة ورد ذكرها في قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا  فمنهم  ظالم  لنفسه  و منهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير﴾[7]
ثم إن الناظر في السنة النبوية المطهرة ليجدها مفعمة بالأدلة و الشواهد على صحة اعتبار هذا الأصل التطبيقي الهام بل إن السمة التي تسم توجيهاته عليه الصلاة و السلام هي تحقيق مناط الأحكام تبعا لظروف المستفتي أو الشخص محل التوجيه حيث يفتي و يرشد كل نازلة بما يناسبها أو بما يمثل واجب الوقت في حق المحكوم عليه، فقد سئل الرسول (ص) في أوقات مختلفة عن أفضل الأعمال فأجاب أجوبة مختلفة و أحيانا نجد النبي(ص) يذكر أفضل الأعمال للصحابة من غير سؤال و لو جمعنا ما قاله (ص) في ذلك لاقتضى التعارض لكن الذي يدرك فقه الواقع يعلم أن الأجوبة تأتي  مختلفة  باختلاف  السائل و حاله و باختلاف الوقت و حاجة الناس في ذلك الوقت إلى إبراز عمل معين أو التأكيد على عمل أكثر من غيره و من أمثلة ذلك مثلا سؤاله (ص) عن أفضل الأعمال فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله (ص):أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله) قال ثم ماذا؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) قال :ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور)[8] .و عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله (ص): أي العمل أفضل؟قال: الصلاة لوقتها, قال، قلت:ثم أي؟ قال: بر الوالدين قال: قلت ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. فما تركت أستزيده إلا ارعاءً عليه"[9]. و عن أبي بكر الصديق أن رسول الله (ص) سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: العج و الثج[10] و كذلك في سؤاله (ص) عن أفضل الناس فكان جوابه يختلف من موقف لآخر، فمن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه (ص) سئل: أي العبادة أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال (الذاكرون الله كثيرا و الذاكرات)[11] و من ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رجلا سأل الرسول (ص) : أي المسلمين خير؟ قال: (من سلم المسلمون من لسانه و يده)[12] و عن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله (ص): أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب، صدوق اللسان قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال:هو التقي النقي لا  إثم  فيه  و لا بغي و لا غل و لا حسد"[13]. فقد كان رسول الله (ص) أفقه الدعاة بواقع الناس و أحوالهم فكان الصحابة يأتونه ليسألوه الأدعية، فهذا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول أن أعرابيا قال للنبي (ص): علمني دعاء لعل الله ينفعني به، قال: (قل اللهم لك الحمد و لك الشكر كله و إليك يرجع الأمر كله)[14]
و ذاك سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك فقال: (قل آمنت بالله ثم استقم)[15] و كما تعددت دعواه تعددت وصاياه حيث أوصى معاذا رضي الله عنه عندما بعثه رسول الله (ص) إلى اليمن فقال له: (أخلص دينك يكفيك القليل من العمل)[16] فمعاذ أرسله إلى اليمن ليقضي حوائج الناس و يحرص على دعوة الإسلام هناك و هذا قد لا يترك له الوقت للإكثار من العبادات فأمره النبي (ص) بالإخلاص حيث يكفيه القليل من العمل، و قال رجل للنبي (ص) أوصني و كان على سفر فقال له: (أوصيك بتقوى الله تعالى و التكبير على كل شرف)[17]. و قد دعا لأنس بن مالك رضي الله عنه بكثرة المال لما رأى فيه من متانة الدين و  قوة النفس و أنه سيجعل المال في يده لا في قلبه و أعرض عن الدعاء لثعلبة بن حاطب حين سأله الدعاء بكثرة المال حيث خشي عليه من فتنة الدنيا فقال له: (قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه)[18].
ففي سيرة النبي الكريم سمات أساسية و منهاج واضح للدعاة نستخلص منه فقها واقعيا ينير لنا السبيل فقد كان رسول الله (ص) يدرك بفراسته حقائق النفوس فهذا أبو ذر رضي الله عنه و أرضاه لم يوله الرسول (ص) الإمارة و نهاه عنها و عن كفالة اليتيم و قال له: يا أبا ذر إنك ضعيف  و  إنها  أمانة و إنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها و أدى الذي عليه فيها"[19]. و في رواية أخرى )يا أبا ذر إني أراك ضعيفا و إني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين و لا تولين مال يتيم ( [20].
و معلوم أن العمليتين كليهما من أفضل الأعمال لمن قام فيهما بحق الله تعالى و قد امتدح (ص) المقسطين بقوله: )إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز و جل و كلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم و أهليهم و ما وَلُوا( [21]
و كان النبي (ص) يؤثر قوما في بعض الغنائم تأليفا لقلوبهم و بحسب إيمانهم يقول (ص) : (إني أعطي الرجل و أدع الرجل و الذي أدعه أحب إلى من الذي أعطيه، أعطي أقواما لما في قلوبهم من الجزع و الهلع و أكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى و الخير)[22] وسياق الحديث وارد في غزوة حنين حين خص قريشا بالعطاء مما أفاء الله عليه جبرا لهم و تأليفا لقلوبهم و دفعا لآثار الجاهلية من هلع و جزع، فمن واقعية الشريعة أنها اعترفت بالدافع الفطري الواقعي و هو حب التملك فأقرته و ما يترتب عنه من حقوق دون أن تنسى مصلحة  المجتمع، فقيدت هذه الملكية الفردية  بقيود في اكتساب الأموال و تنميتها و الاستمتاع بها و التصرف فيها و كان عطاؤه (ص) للناس على حسب أفهامهم و خصائصهم النفسية و درجات وعيهم و هذا موافق لما أخرجه البخاري موقوفا على علي رضي الله عنه (حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذب الله و رسوله)،[23] و هذا يزيد بن سلمة رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني قد سمعت منك حديثا أخاف أن ينسيني أوله  آخره فحدثني بكلمة تكون جماعا فقال : (اتق الله فيما تعلم)[24] و كان خطاب الرسول الكريم يلامس كل المجالات و الميادين قال كعب رضي الله عنه: لما نزلت ﴿و الشعراء يتبعهم الغاوون﴾ الشعراء/223 أتيت رسول الله (ص) فقلت: ما ترى في الشعر؟ قال: (إن المؤمن يجاهد بسيفه و لسانه)[25] فعدد بذلك صور  الجهاد  بتعدد  قدرات  المخاطبين  و مؤهلاتهم كما سجلت السنة الشريفة مواقف خالدة للرسول الكريم تنم عن حلمه و رأفته بأمته سواء في الأعمال التعبدية قال (ص) (إذا صلى أحدكم بالناس  فليخفف فإن فيهم الضعيف و السقيم، و إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء)[26]، أو في الأمور الاجتماعية حيث كان النبي الكريم يأمر الناس أن يؤدوا زكاة الفطر قبل أن يخرجوا إلى المصلى و يقول : (أغنوهم عن السؤال... ) بل و في القضايا المستقبلية حيث ترك رسول الله (ص) هدم الكعبة و إعادة بنائها على قواعد إبراهيم عليه السلام لأن قريشا كانت تعظم الكعبة و كانت حديثة عهد بكفر فخشي رسول الله (ص) أن يفتنها و تظن أنه هدم الكعبة و غير معالمها لينفرد بالفخر عليهم في هذا العمل و إنه حتى في الحدود و القصاص و التعزير تتجسد واقعية الشريعة في عملها لتطهير المجتمع و تربية أفراده على منهج  الاستقامة يقول تعالى في شأن القصاص  ﴿و  لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾  البقرة/178   و   في  شأن   السرقة  ﴿  و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما جزاءا بما كسبا نكالا من الله و الله عزيز حكيم﴾ المائدة/40. فهذه إذن هي واقعية الإسلام مجسدة في القرآن و السنة، تعاملت مع الإنسان  لحما و  دما  و فكرا و شعورا و انفعالا و نزوعا و روحا و تحليقا،. فهي واقعية لم تحرم على الإنسان شيئا مما  ينفعه و لم تبح له شيئا مما يضره في الواقع. و من دلائل الواقعية في الشريعة الإسلامية اتجاهها إلى التيسير و رفع الحرج و مراعاة سنة التدرج و هو منهج سار عليه الصحابة و الفقهاء استجابة لوصية رسول الله (ص) ) ...فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ( [27] فكان أن اعتبروا الواقع في كل شؤونهم.


[1]  نور الدين بن مختار الخادمي الاجتهاد المقاصدي، حجيته، ضوابطه مجالاته ص 69
[2]  البقرة 286
[3]  أحمد بوعود فقه الواقع أصول و ضوابط ص 99
[4]  وهبة الزحيلي، التفسيرالمنير 3/42
[5] البقرة 183
[6] السيوطي الإتقان في علوم القرآن 2/121
[7]  فاطر 32
[8]  رواه مسلم 3/88
[9]  رواه مسلم 1/89 و ارعاء عليه، إبقاء عليه و رفقا به
[10]  رواه ابن ماجة و العج : رفع الصوت بالتلبية و الثج: سيلان دماء الهدي و الأضاحي
[11]  الترمذي أبو عيسى الجامع الصحيح، كتاب الدعاء، باب ما جاء في فضل الذكر 5/458
[12]  رواه مسلم 1/65
[13]  رواه ابن ماجة 2/1409 و قال البوصيري في الزوائد، هذا إسناده صحيح رجاله ثقات. مخموم القلب: هو النقي الذي لا غل فيه و لا حسد و هو من خممت البيت إذا كنسته
[14]  شعب الإيمان 4399 البيهقي
[15]  صحيح مسلم بشرح النووي، باب جامع أوصاف الإسلام 2/8 مسند الإمام أحمد 19448 ، 15416، 15417 سنن ابن ماجة 3972
[16]  شعب الإيمان البيهقي 6859
[17]  مسند الإمام احمد (8318، 8393، 973 سنن ابن ماجة 2771 الحاكم المستدرك 2481، 1633)
[18]  الزبيدي: إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين  8/225
[19]  رواه مسلم 3/1457
[20]  رواه مسلم 3/1458
[21]  رواه مسلم 3/1458 ما ولوا أي كانت لهم عليه ولاية
[22]  البيهقي: السنن الكبرى كتاب الصدقات 7/18
[23]  صحيح البخاري بفتح الباري 127
[24]  سنن الترمذي 2683
[25]  مسند الإمام احمد 15785
[26]  أخرجه البخاري بشرح الفتح 703
[27]  أخرجه أبو داوود