التجديد.. ترف فكري أم واجب حضاري

  بقلم خديجة الكـــود

كثر الحديث حول مصطلح "التجديد" وتعددت المفاهيم التي ألحقت به تبعا لتعدد التوجهات والخلفيات التي حكمت كل متحدث عنه. والحقيقة أن مصطلح "التجديد" اكتسب شرعيته منذ القدم انطلاقا من الحديث النبوي الشريف: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) كبشارة منه صلى الله عليه وسلم على أن مرونة الشريعة الإسلامية مستمرة ومتجددة مما يجعلها - دون غيرها- الأقدر على مواكبة حركة الحياة بل الأجدر بالإجابة على كل الإشكاليات و التحديات التي يفرضها الواقع بتطوراته السريعة ومشكلاته الملحة، في موازنة منقطعة النظير ترغب في الآخرة لكنها لا تغفل واقع الفرد ولا تحرم الدنيا.

من هنا تظهر مركزية التجديد في الفكر الإسلامي باعتباره إحدى أهم الأدوات اللازمة لاستيعاب مستجدات العصر من جهة، ولمواجهة الانحدار الحضاري للأمة المسلمة من جهة ثانية. ومن ثم إذا أيقنا أن التجديد فريضة شرعية وضرورة واقعية، فإن السؤال المحوري الذي يجب طرحه هو: أين وقع الخلل في جسم الأمة وعطلها عن مواصلة مسيرة التجديد والنهوض؟
إن المشكل لا يكمن في قلة المؤلفات حول الموضوع بل في تكوين العقلية العلمية المجتهدة التي تجعل من هذا التجديد واقعا حيا و ليس مجرد ترف فكري نتغنى به بين صفحات الكتب، فأمتنا اليوم مطلوب منها أن تنطلق بوعي متكامل وفق مستويين : وعي بحركة التاريخ تستشعر من خلاله مجرى الزمان وتحدد فيه موقعها منه، ووعي بالذات حتى لا تخلف الموعد من جديد مع النهضة المرجوة.
وإذا كنا اليوم نعيش تأخرا تاريخيا فإن هذا يطرح سؤالا آخر حول مقياس ذلك التأخر، بمعنى هل السقف الآن هو الحداثة التي وصل إليها الغرب أم أن الأفق قد تغير وأن العصر دخل مرحلة ما بعد الحداثة فيكون مقياس ذلك مقياسا مركبا. إن تأملا عميقا في العصر الحالي كفيل بالإجابة على هذا السؤال خصوصا إذا استحضرنا الأبعاد العالمية الجديدة كبداية الخروج من الدولة القومية إلى الدولة العابرة للقوميات ودخول عصر التكتلات (مثال الإتحاد الأوروبي) وكذا عودة الدين بقوة على المسرح الدولي وتحكمه في بنية الصراع القائم.
إن النهوض الحضاري منوط إلى حد كبير بقدرتنا على إعادة تشكيل مركز الرؤية للعقل المسلم، باعتبار هذا الأخير في النهاية هو الذي ينتج ويولد عالم الأفكار كما ذهب الى ذلك المفكر مالك بن نبي. ومن ثم فإن حل أزمة العقل المسلم يكمن في تكسير القشر الجاثم على أنفاسه ليخرج من ضيق اللباس و الواقع الذي لم يصنعه بيده بل صنعه له الاستعمار و ألبسه إياه في غمرة من السبات، خروجا يجعل التجديد منطلقا والعلم مسلكا والنهضة هدفا، فينصهر العقل و الدين في بوتقة التجديد مشكلا حلقة متجانسة تنتهي إلى إحياء امة بكاملها، أمة قادرة على إعادة بعث نفس قوي وضخ دماء جديدة في شرايين أبنائها فيكونوا في مستوى الشهود الحضاري.

"لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا "   البقرة - ١٤٣