حقوق الإنسان في الخطاب الإسلامي: رؤية نقدية

بقلم خديجة الكود

جاء الخطاب القرآني ليكرم الإنسان ويعلي من شأنه ومكانته، وليرفع من قدره، يقول تعالى:{ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}.
وإذا كان الخطاب الإسلامي في مجتمعاتنا يحتل موقعا خطيرا وحساسا، باعتباره هو الذي يصوغ العقل الجمعي ويوجه السلوك العام نظرا لارتباط مجتمعاتنا بالدين الإسلامي، إلى جانب كونه يشكل مرآة لصورتنا أمام الأمم والحضارات الأخرى، فإن أي عجز في هذا العقل الجمعي للأمة أو خلل في السلوك العام لأبنائها، أو اهتزاز لهذه الصورة، يدعونا إلى ضرورة مراجعة هذا الخطاب، باعتباره إما مسؤولا عن حصول هذا الواقع السيء، أو مهادنا له مكرسا لوجوده، مما يجعلنا نطرح السؤال عن ما مدى اتساق الخطاب الإسلامي السائد والخطاب القرآني في موضوع كرامة الإنسان وحقوقه؟ وهل استطاع أن يتمثل ذلك التكريم الإلهي للإنسان ويترجم مضامينه في خطاب واقعي؟ وهل الخطاب الإسلامي الحالي يواكب الخطاب القرآني في إعلائه قيمة الإنسان ومكانته لكونه إنسانا؟
نظرة على حقوق الإنسان في الخطاب الإسلامي:
إن الناظر في الواقع الخطاب الإسلامي يلمس نوعا من التبجيل لحقوق الإنسان في الإسلام، لكنه تبجيل ما لبث أن انصرف غلى الكليات والعموميات، وترك التدقيق والتشخيص وحصر المشكلات وتحديد الآفاق، مع العلم أن مثل هذه العمومية لم تعد تنفع بإطلاقيتها وعموميتها، لا سيما بعد فشل تجارب إسلامية عديدة في العالم الإسلامي "ولا بد ان نعترف ان الإنسان، في معظم أنحاء العالم الإسلامي اليوم، يعيش وضعا ماساويا يفتقد معه إنسانيته، ويطارد في عقله، وطعامه، وشرابه، وحياته، وعرضه، وأمنه...والمؤسف أن هذه المآسي تتم تحت شعارات: الحرية، والديمقراطية، والعدل الاجتماعي (الاشتراكية).. وأن الحس الديني تجاه الجهاد في سبيل إقرار حقوق الإنسان، والشعور بالمسؤولية تجاهها، تحول إلى مواقع أخرى خارج سياق الحياة.. ولعل ذلك من أشد الفتن، وأعظم البلايا التي يعيشها مسلم اليوم، صاحب الميراث الثقافي والحضاري، والرصيد التاريخي، في التحرير والفاع عن حقوق الإنسان.. ولولا أن المبادئ الإسلامية، أثبتت نجاحها، في إطار حقوق الإنسان، وصوابها التاريخي، لقادت كثيرا من الناس اليوم إلى التشكك فيها" .
لقد صار المطلوب من المفكر الإسلامي أن يتعامل بواقعية أكبر، ولغة رقمية أدق، بعيدا عن الإطلاقيات وثقافة التضبيب، وهذا يقودنا إلى الحديث عن تأخر الخطاب الإسلامي في البلورة والصياغة التقنية لقضايا حقوق الإنسان، وضعف الاهتمام بها، فبينما نجد اهتماما كبيرا بالقضايا العقدية والعبادية ـ وهذا مطلوب طبعا ـ، نلمس إهمالا لمكانة الإنسان، والذي يمثل وجوده أروع آيات الله تعالى وأفضل تجليات قدرته ومظاهر عظمته، كما نسجل حديثا خافتا ضئيلا لا يتناسب مع المساحة الواسعة التي أفردها القرآن الكريم لإبراز قيمة الإنسان ومكانته. فقضية حقوق الإنسان لم تنل بعد مستوى من الطرح والاهتمام إلا بشكل محدود، غالبا ما يكون من منطلق الدفاع عن الإسلام أمام من يتهمه بتجاهل حقوق الإنسان، والتباهي بموقعية هذه الحقوق في التراث الإسلامي.
لقد تم إغفال النصوص والمفاهيم الدينية التي تربي الإنسان المسلم على التمسك بحريته وكرامته وحقوقه، وتشجعه على الدفاع عنها، وعدم القبول بالظلم والعدوان والانتهاك لشيء من حقوقه المادية أو المعنوية{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ، ويصف المؤمنين بأنهم يجاهدون لاستعادة حقوقهم، يقول تعالى {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} ، عكس ما أريد لمفهوم الصبر مثلا أن يتحول من الثبات والاستقامة أمام التحديات إلى نوع من الاستسلام والخنوع، وكذا للزهد من التسامي عن الشهوات والأهواء إلى اللامبالاة تجاه شؤون الحياة. فالإسلام ينظر إلى حقوق الإنسان باعتبارها كلا لا يتجزأ، يقول ذ.سليمان الكريدي: "تشكل حقوق الإنسان بمجموعها كلا مترابطا لا يتجزأ، وهي حقوق مدنية وسياسية وحقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية لا يمكن الفصل بينها أو التركيز على فئة دون الأخرى. وترتبط هذه الحقوق مع قضايا التطور والتنمية على الصعيد الداخلي لكل بلد من جهة ومع القضايا التي تواجه العالم كله من جهة ثانية" .
إن الخطاب الإسلامي يحتاج إلى اهتمام أكبر بالقضايا الإنسانية، لحشد الجهود لمعالجة كثير من الحاجات ومتطلبات الحياة في مجتمعاتنا التي تعاني من انتشار الأمية والفقر ونقص الخدمات، بل إن مطلب تطوير الخطاب الإسلامي إنسانيا ليس مطلبا كماليا ولا هامشيا، وإنما ضرورة ملحة تقع في صميم قضايا الأمة واحتياجاتها، فما يعيشه المجتمع من اضراب وفوضى وعبثية مرده إلى عدم احترام الضروريات الخمس، فدم الإنسان الذي اصبح مستباحا في العالم عموما والإسلامي منه على وجه الخصوص في العراق وفلسطين والصومال وأفغانستان.. تجعل قضية حقوق الإنسان من القضايا المركزية التي ينبغي للخطاب الإسلامي المعاصر معانقتها والدعوة إليها، فما هي أبرز التحديات التي تواجه الخطاب الإسلامي المعاصر في تفعيل حقوق الإنسان؟
التحديات التي تواجه الخطاب الإسلامي المعاصر في تفعيل حقوق الإنسان:
إن التحديات التي يواجهها العالم الإسلامي في الواقع المعاصر، نتيجة غياب ممارسة ثقافة حقوق الإنسان وفق المفهوم الشرعي، فضلا عن العدوان المرصود للإسلام، جعلت الخطاب الإسلامي أمام إشكاليات متعددة يمكن إجمالها في ان التحدي الخطير الذي يواجهه الخطاب الإسلامي اليوم لا يكمن في عدم وجود قيم قادرة على ضبط مسيرة الحياة، ومعايير ناجعة لتقويمها في مجال حقوق الإنسان وواجباته، ولا في شمولية هذه التعاليم، وإنما الإشكالية تكمن في سوء تنزيل هذه القيم، وإعمالها بدل مجرد التفاخر بها.من هنا يصبح السؤال هو كيف يتمكن الخطاب الإسلامي المعاصر بقيمه في مجال حقوق الإنسان، من التوفيق بين واقع الحياة الشديد التغير والتطور وبين الواقع المتردي للمسلمين؟
بعجالة يمكن القول أن السبيل إلى ذلك يمكن من خلال:
ـ تجاوز الخطاب الإسلامي للموقع الدفاعي عن حقوق الإنسان في الإسلام، بإظهار تفوقه وتكريمه للإنسان وحماية حقوقه إلى التفكير في إيجاد الوسائل والآليات العملية الكفيلة بتنزيل هذه القيم ومن تم بلورة تصور أصيل للمفهوم يستمد عمقه وجذوره من الإسلام، فيكون بديلاللمفاهيم الغربية الوافدة التي أثبتت عجزها عن تحقيق الاستقرار والأمن النفسي.
ـ استحداث استراتيجية إسلامية موحدة لتحديث الخطاب الإسلامي المرتبط بمنظومة الحقوق والواجبات، المرتكزة نظريا على الكرامة الإنسانية وعمليا على الوسطية عقية ومنهجا وسلوكا.
ـ ربط الخطاب الإسلامي بحاضر الأمة مع التأكيد على عناصر الانفتاح والمرونة والتوازن، مع التقيد بالثوابت الشرعية المرتبطة بالمنظومة الحقوقية.
ـ نهج معالجة تمكن الناس من الاطلاع غلى أسبقية الإسلام في إقرار الحقوق والواجبات، من منطلق التكريم الإلهي لبني آدم منذ بدء الخليقة.
إن الخطاب الإسلامي مطالب بالتوجه إلى الإنسان المسلم لدفعه نحو فاعلية أكثر، وبالتوجه إلى داخل الأمة لدفعها نحو مناهج التنمية وبرامج البناء، ومن هنا وجب التفكير في وضع صيغة أنضج لتكوين خطاب ثقافي موزون قادر على تجاوز الهزيمة النفسية إزاء الغرب، فنحن لا نريد أن ننتج النظام الحقوقي الإسلامي في المصانع الغربية، فلكل أمة تراثها وثقافتها، إنما نريد إنتاج نظامنا الحقوقي مستفيدين من التجربة الإنسانية عموما ـ بما في ذلك التجربة الغربية نفسهاـ، وهذا شيء مختلف تماما عن التبعية والذوبان والاستلاب الذي لازال الخطاب الحقوقي الإسلامي يتخبط بين خيوطه.