بقلم خديجة الكود
لم يتواضع علماء الأمة و فقهاؤها على أمر تواضعهم على كون المقصد الأسمى من الشريعة الإسلامية هو رعاية مصالح الخلق بجلب مصلحة لهم أو درء مفسدة عنهم، وتنوعت تعبيراتهم عن ذلك كثيرا، حتى قال بعضهم "الشريعة مصلحة و المصلحة شريعة"، من خلال هذه المقولة تتضح إذن مركزية مفهوم "المصلحة" في علم الأصول عامة و القواعد التشريعية، لكن هذه المصلحة تظل منضبطة بضوابط وخصائص، فما أبرزها ؟
أ-المصلحة في اللغة:
تطلق المصلحة في اللغة و يراد بها نفس المنفعة، أو تطلق و يراد بها ما يؤدي إلى المنفعة، فقد يقال: في العمل مصلحة، و قد يقال: العمل مصلحة فأريد بالثاني نفس المنفعة، وأريد بالأول ما يؤدي إلى المنفعة، فهي إما مصدر بمعنى الصلاح أو اسم للواحدة من المصالح، و بهما معا قال ابن منظور في لسان العرب مادة "صلح" و المنفعة هي اللذة تحصيلا أو إبقاء .
ب-المصلحة في الاصطلاح:
رغم اختلاف تعريفات العلماء في تعابيرها، فإنها لم تتباين في جوهرها و فحواها، فقد عرفها الإمام الغزالي بقوله: "أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، و لسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة و دفع المضرة مقاصد الخلق، و صلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: و هو أن يحفظ عليهم دينهم و نفسهم و عقلهم و نسلهم و مالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، و كل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعه مصلحة"
ويعرفها الطوفي بقوله: "و أما حدها بحسب العرف: فهي السبب المؤدي إلى الصلاح والنفع كالتجارة المؤدية إلى الربح، و بحسب الشرع هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة، ثم هي تنقسم إلى ما يقصده لحقه كالعبادات و إلى ما يقصده لنفع المخلوقين وانتظام أحوالهم كالعادات" . أما الخوارزمي فقد عرف المصلحة بأنها: المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق . ثم جاء الشاطبي فقال: "المصالح المبثوثة في هذه الدار ينظر فيها من جهتين.. فأما النظر الأول فان المصالح الدنيوية من حيث هي موجودة هنا لا يتخلص كونها مصالح محضة، و أعني بالمصالح -و القول للشاطبي- ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان، و تمام عيشه و نيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية، و العقلية على الإطلاق، حتى يكون منعما على الإطلاق. و هذا في مجرد الاعتياد لا يكون، لأن تلك المصالح مشوبة بتكاليف و مشاق قلت أو كثرت... كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة من حيث مواقع الوجود، إذ ما من مفسدة تفرض في العادة الجارية إلا و يقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من الرفق و اللطف و نيل اللذات الكثير..." . أما ابن عاشور فيذهب إلى القول بأن المصلحة: "وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائما أو غالبا للجمهور أو للآحاد"
يتأكد مما سبق أن المصلحة عند جمهور الأصوليين مفهوم يمتد ليشمل مصالح الدنيا و الآخرة، يقول د. الريسوني: "المصلحة في اصطلاح الشرع و أهله ليست مقتصرة على المصالح المادية، و لا هي محصورة في المصالح الدنيوية، بل تشكل كل ما يعود على الإنسان فردا و جماعة بخير و نفع و صلاح و سعادة، في حاضره، أو قريب مستقبله، أو بعيده.، و سواء كان ذلك في جسده أو عقله أو فكره أو ماله أو أخلاقه أو علاقاته، أو مشاعره، لكن بشرط ألا يكون مفوتا لما هو أهم منه، و لا يكون مستلزما و لا متتبعا لضرر هو أولى بالدفع و الاجتناب من تلك المصلحة" .
جـ-خصائص المصلحة
لما كان الجميع مدافعا عن أحقية المصلحة بالرعاية و الاعتبار، حتى غدا بعض "المعاصرين" ينحو صراحة أو ضمنا إلى أن المصلحة أصبحت تقتضي خلاف ما جاءت به النصوص، لما كان الأمر كذلك، أصبح من اللازم رسم خطوط للمصلحة التي نعنيها و إبراز خصائصها. و نجمل أهمها في ما يلي:
• معقولة في ذاتها: فالمصالح المعتبرة ينبغي أن تكون معقولة بحيث تجري على الأوصاف المناسبة المعقولة التي إذا عرضت على أهل العقول السليمة تلقتها بالقبول. فالعقل منبع العلم و أساسه، فقد خلقه الله مؤهلا لقبول الحق، و به يقع التمييز بين الحسن و القبيح، و بوجوده تعرف مصالح الدارين، و إن تفاوت الناس في ذلك انقسموا في معرفة الحق "إلى من ينتبه من نفسه و يفهم و إلى من لا يفهم إلا بتنبيه و تعليم و إلى من لا ينفعه التعليم أيضا و لا التنبيه كانقسام الأرض إلى ما يجتمع فيه الماء فيقوى فيتفجر بنفسه عيونا، و إلى ما يحتاج إلى الحفر ليخرج إلى القنوات و إلى ما لا ينفع فيه الحفر و هو يابس و ذلك لاختلاف جواهر الأرض في صفاتها، فكذلك اختلاف النفوس في غريزة العقل" ، قال تعالى على لسان حال الكفرة، و هم في السعير ﴿و قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ الملك/10، فقوله تعالى يفيد أن العقل يهدي صاحبه إلى الهدى و يرده عن الردى، وذلك عين جلب المصلحة و درء المفسدة، و به كان التكليف، و إليه توجه الخطاب، حتى قال العلماء "العقل مناط التكليف"
إن موضوع إدراك المصالح بالعقول موضوع عرف جدلا واسعا بين المعتزلة والأشاعرة الذين ذهبوا إلى أن العقل لا يحسن و لا يقبح، بخلاف المعتزلة الذين يرون أن الحسن و القبح ذاتيان عقليان، أي أن الأشياء و الأفعال و التروك موصوفة بالصلاح والفساد، قبل أن يأتي حكم الشرع بذلك، لكنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل ذهبوا إلى أن الإنسان العاقل مكلف بمقتضى عقله عند عدم وجود الحكم الشرعي، و معنى هذا أن الحكم الشرعي يثبت بالعقل كما يثبت بالسمع و الحقيقة أن الذين تورطوا من الأشاعرة، في إنكار الحسن و القبح الذاتيين و إنكار التحسين و التقبيح العقليين، إنما انجروا إلى ذلك بفعل الصراع الجدلي الطويل مع خصومهم المعتزلة ، ذلك أن إنكار ما في الأفعال من صلاح وفساد، و أن العقول تدرك من ذلك الشيء الكثير، ليس فحسب خروجا عن المعقول، و إنما هو تعطيل صريح لكثير من النصوص الشرعية،من ذلك الموقف الجليل للسيدة العظيمة، أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، و هو الوارد في قصة بدء الوحي، حيث عاد إليها رسول الله و قد أصابه من هول الوحي ما أصابه، فقص عليها الخبر و قال: (لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة، كلا و الله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، و تحمل الكَل، وتكسب المعدوم، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحق... ) ففطرتها النقية وحدها رضي الله عنها و عقلها السليم جعلها تستحسن أفعال رسول الله ، و تعتبرها من مكارم أخلاقه و فضائله عليه الصلاة و السلام، وليست مستندة في هذا كله إلى أي حكم شرعي. فمحبة الخير و الأمانة و الصدق، و تفريج الكرب والشدائد عن المنكوبين والمدينين، والإعانة على المعروف و الفضائل و منع الغرر و الضرر في المعاملات، و استنكار الظلم والخيانة والغدر، و طهارة المكان و البدن و الثياب، كلها أفعال تتسم بالمعقولية والمنطوقية، ولا يجحدها إلا أصحاب العقول المختلة.
إن تحكيم العقل ليس خطأ، و لكن تحكيمه في محاربة النص هو عين الخطأ. و أما الذين ذهبوا إلى أن القول بتحسين العقل و تقبيحه يفضي إلى القول بإمكان الاستغناء عن الدين و شريعته، فيمكن إبطاله من عدة نواحي، أولها : أن العقل نفسه يفضي بصاحبه إلى الإيمان بالأنبياء و التصديق بهم، و بأن ما جاؤوا به هو الحق الذي لا مرية فيه. ثانيها :أن العقل نفسه يصل إلى الاقتناع بما حوته الشريعة من حفظ المصالح على أكمل وجه، و حتى إذا لم يدرك ذلك على وجه التفصيل، فإنه يصل إلى إدراكه على وجه الإجمال، فكلما ازداد تعمق الدارس للشريعة و تفقهه فيها، كلما ازداد إدراكه لمحاسنها و كمال حفظها للمصالح، جملة و تفصيلا. ثالثها: أن القول بادراك العقل للمصالح و المفاسد لا يعني أن إدراكه تام مطلق، بل إنه يدرك و يعجز، ويصيب و يخطئ... و هذا ما سنوضحه أكثر في الخاصية الثالثة-بإذن الله- من خصائص المصلحة.
من هنا يتبين أن المصلحة المعتبرة في الشرع تكون معقولة لدى أولي الألباب و هذه أولى خصائص المصلحة الشرعية. قال علماء الشريعة:" معظم مصالح الدنيا، و مفاسدها معروف بالعقل" ، فقد خلق الله عقول بني آدم مهيئة لقبول الحق، و ليس الحق سوى رعاية مصالح العباد، و درء المفاسد عنهم، و التمييز بين النافع و الضار، و العقول مشيرة إليه، وقاضية به، لولا ورود الشرائع، و هو الذي لا يجوز انفكاك شرع عنه، فهي ترشد إلى حفظ النفوس، و الزجر عن القتل بالقصاص
• حقيقة لا وهمية: إن مفهوم المصلحة كما يتطابق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، فإنه ينضبط بها كذلك، بمعنى أن المصلحة إن ناقضت مقاصد الشريعة أو أحدها فهي ليست مصلحة على سبيل الحقيقة، حتى و إن بدا فيها نفع ظاهر، بل هي مفسدة يجب دفعها.
إن أهم ما تمتاز به الشريعة الغراء أنها واضحة السبل دقيقة الأصول و الموازين، فليس في قواعدها وأحكامها مجال للمتلاعبين أو المزيفين، من هنا لم يكن مرد المصلحة المعتبرة في الشرع إلى تقدير الناس فيما يكون به الصلاح و الفساد، فإذا حسب الناس أن التعامل بالربا مثلا بات مصلحة نحتاج إليها و لا يقوم أمر الناس إلا به، فهو بمقتضى هذا النظر مصلحة حقيقية، و من تم لزم الشريعة أن تتسع لقبوله بحجة أن الشريعة إنما قامت على تحقيق مصالح الناس، و مصلحة الناس كما يرى علماء في الاقتصاد مثلا و خبراء في التجارة لا تقوم إلا بالربا من أجل تنشيط الحركة التجارية و النهوض بها. إن أمثال هؤلاء لم يفقهوا معنى المصلحة المعتبرة في الشرع، و لم يستوعبوا أي مصلحة نريد.
من هنا فإن كل ما توهمه الناس مصلحة، مما هو نابع من هوى النفس و مخالف للشرع، كل ذلك ليس من المصلحة في شيء و إن توهمه من توهمه، فلا بد من ضبط المصلحة بضابط "الاعتبار الشرعي" حتى تتميز عن "المنفعة الدنيوية الصرفة" المنفلتة من ضوابط الدين.
• غير مصادمة لأصل أو دليل: إن المصلحة المعتبرة شرعا يفترض فيها أن لا تعارض أصلا من أصول الدين، أو تخالف دليلا من الأدلة الشرعية من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح، و من تم فنتائج خبرات الناس و تجاربهم يجب عرضها على نصوص الشريعة و أحكامها الثابتة، فما وافقها أخذ به، و ما خالف ذلك وجب طرحه و إهماله واعتباره مصلحة ملغاة. ذلك أن نصوص الشريعة لم تلغ مصلحة دلت عليها تجارب الناس وعلومهم مما هو مفطور عليه الإنسان السوي. و أما دعوى تعارض النص و المصلحة فمردود، و نورد هنا مسألتين نموذجيتين في ذلك مع التفصيل في المسألة الأولى و هي مسألة الصيام، فقد ذهب الرئيس التونسي السابق و مؤسس الدولة التونسية الحديثة، الحبيب بورقيبة إلى أن صيام رمضان يسبب تعطيل الأعمال و ضعف الإنتاج، و دعا العمال سنة 1961 إلى الإفطار حفاظا على الإنتاج الذي يدخل ضمن الجهاد الأكبر... و رغم أن هذا مجرد ادعاء و افتراء لغياب دراسة شاملة و دقيقة، فإن حتى ثبوت ذلك، هو من قبيل المصلحة المتوهمة ذلك أن الصيام الحق يعني استحضار الرقابة الإلهية و من تم المزيد من الإخلاص في العمل و الزيادة في الإنتاجية، هذا من جهة، و من جهة أخرى، ألم يكن بالإمكان الاستفادة من الصوم في تنمية الإنتاج و زيادته، باعتبار الصوم مثلا يلغي وجبتين غذائيتين تقعان عادة في وقت العمل الإفطار و الغذاء، موفرا بذلك وقت هاتين الوجبتين، الذي يمكن الاستفادة منه لصالح العمل و الإنتاج.
ثم إن الصيام يمنع المدخنين عن التدخين، و معلوم أنه يأخذ من صاحبه وقتا مهما إذا ما احتسبت الدقائق المتكررة التي تهدر على مدى كل يوم، أضف إلى ذلك النقص الكبير في الإنتاج الذي يتسبب فيه التدخين نتيجة الحالة النفسية و البدنية و الصحية المهترئة للمدخنين. ألم يكن الأولى الدعوة إلى منع التدخين عوض منع الصوم !!
و كما يقول د.الريسوني و مع ذلك فلنذهب مع هذا الافتراض إلى نهايته، و لنقل: إن للصيام أثرا في نقص الإنتاج... فإذا فرضنا أن إنتاجنا يصاب في رمضان بنقصان كمي يصل العشر 10% مثلا، فماذا نربح من الصيام...هذا يحيلنا إلى كافة الفوائد الكائنة أو الممكنة في الصيام، سواء من الناحية الروحية، أو التربوية، السلوكية أو الصحية
إن أي عاقل وضع النقص -الذي قد يسببه الصوم في الإنتاج- في كفة، و الفوائد في كفة، لرجحت كفة الفوائد حتما، و سيختلف وزنه و تقويمه قطعا عما يروج له أمثال بورقيبة. و حتى على صعيد الإنتاج نفسه، فلا يمكن للصائم الحق إلا أن يمتنع عن الغش و الزور والاختلاس خشية من الله، و أن يندفع إلى العمل اندفاعا إخلاصا لله.
ونفس الشيء يقال في مسألة الحجاب، لمن يدعي أنه قرين الجهل و التخلف، فهو اليوم تظهر قيمته ومصلحته أكثر من أي وقت مضى، باعتباره رمزا للتحرر و الثبات على المبادئ، ورمزا للصمود والتحدي، بل رفضا للتيار الكاسح الذي يختزل المرأة ودورها في الجسد المنمق المعروض في كل مكان.
من هنا نخلص إلى أن المصلحة المعتبرة في الشرع تدركها الفطرة السليمة، ليعاضدها العقل السوي، فإذا عجز هذا الأخير التمس الهدي من الشريعة لترحم ضعفه أو تقوم عيبه أو ترد جموحه، فليس هنا في الإسلام أصل ديني يعارض العقل، كما أنه ليس هناك عقل فوق الدين، و لكن دين مطابق للعقل، و عقل مساعد للدين يفهم تكاليفه و يبحث في نواميس الكون ليدرك من خلالها عظمة الله الواحد الأحد.
لم يتواضع علماء الأمة و فقهاؤها على أمر تواضعهم على كون المقصد الأسمى من الشريعة الإسلامية هو رعاية مصالح الخلق بجلب مصلحة لهم أو درء مفسدة عنهم، وتنوعت تعبيراتهم عن ذلك كثيرا، حتى قال بعضهم "الشريعة مصلحة و المصلحة شريعة"، من خلال هذه المقولة تتضح إذن مركزية مفهوم "المصلحة" في علم الأصول عامة و القواعد التشريعية، لكن هذه المصلحة تظل منضبطة بضوابط وخصائص، فما أبرزها ؟
أ-المصلحة في اللغة:
تطلق المصلحة في اللغة و يراد بها نفس المنفعة، أو تطلق و يراد بها ما يؤدي إلى المنفعة، فقد يقال: في العمل مصلحة، و قد يقال: العمل مصلحة فأريد بالثاني نفس المنفعة، وأريد بالأول ما يؤدي إلى المنفعة، فهي إما مصدر بمعنى الصلاح أو اسم للواحدة من المصالح، و بهما معا قال ابن منظور في لسان العرب مادة "صلح" و المنفعة هي اللذة تحصيلا أو إبقاء .
ب-المصلحة في الاصطلاح:
رغم اختلاف تعريفات العلماء في تعابيرها، فإنها لم تتباين في جوهرها و فحواها، فقد عرفها الإمام الغزالي بقوله: "أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، و لسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة و دفع المضرة مقاصد الخلق، و صلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: و هو أن يحفظ عليهم دينهم و نفسهم و عقلهم و نسلهم و مالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، و كل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعه مصلحة"
ويعرفها الطوفي بقوله: "و أما حدها بحسب العرف: فهي السبب المؤدي إلى الصلاح والنفع كالتجارة المؤدية إلى الربح، و بحسب الشرع هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة، ثم هي تنقسم إلى ما يقصده لحقه كالعبادات و إلى ما يقصده لنفع المخلوقين وانتظام أحوالهم كالعادات" . أما الخوارزمي فقد عرف المصلحة بأنها: المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق . ثم جاء الشاطبي فقال: "المصالح المبثوثة في هذه الدار ينظر فيها من جهتين.. فأما النظر الأول فان المصالح الدنيوية من حيث هي موجودة هنا لا يتخلص كونها مصالح محضة، و أعني بالمصالح -و القول للشاطبي- ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان، و تمام عيشه و نيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية، و العقلية على الإطلاق، حتى يكون منعما على الإطلاق. و هذا في مجرد الاعتياد لا يكون، لأن تلك المصالح مشوبة بتكاليف و مشاق قلت أو كثرت... كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة من حيث مواقع الوجود، إذ ما من مفسدة تفرض في العادة الجارية إلا و يقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من الرفق و اللطف و نيل اللذات الكثير..." . أما ابن عاشور فيذهب إلى القول بأن المصلحة: "وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائما أو غالبا للجمهور أو للآحاد"
يتأكد مما سبق أن المصلحة عند جمهور الأصوليين مفهوم يمتد ليشمل مصالح الدنيا و الآخرة، يقول د. الريسوني: "المصلحة في اصطلاح الشرع و أهله ليست مقتصرة على المصالح المادية، و لا هي محصورة في المصالح الدنيوية، بل تشكل كل ما يعود على الإنسان فردا و جماعة بخير و نفع و صلاح و سعادة، في حاضره، أو قريب مستقبله، أو بعيده.، و سواء كان ذلك في جسده أو عقله أو فكره أو ماله أو أخلاقه أو علاقاته، أو مشاعره، لكن بشرط ألا يكون مفوتا لما هو أهم منه، و لا يكون مستلزما و لا متتبعا لضرر هو أولى بالدفع و الاجتناب من تلك المصلحة" .
جـ-خصائص المصلحة
لما كان الجميع مدافعا عن أحقية المصلحة بالرعاية و الاعتبار، حتى غدا بعض "المعاصرين" ينحو صراحة أو ضمنا إلى أن المصلحة أصبحت تقتضي خلاف ما جاءت به النصوص، لما كان الأمر كذلك، أصبح من اللازم رسم خطوط للمصلحة التي نعنيها و إبراز خصائصها. و نجمل أهمها في ما يلي:
• معقولة في ذاتها: فالمصالح المعتبرة ينبغي أن تكون معقولة بحيث تجري على الأوصاف المناسبة المعقولة التي إذا عرضت على أهل العقول السليمة تلقتها بالقبول. فالعقل منبع العلم و أساسه، فقد خلقه الله مؤهلا لقبول الحق، و به يقع التمييز بين الحسن و القبيح، و بوجوده تعرف مصالح الدارين، و إن تفاوت الناس في ذلك انقسموا في معرفة الحق "إلى من ينتبه من نفسه و يفهم و إلى من لا يفهم إلا بتنبيه و تعليم و إلى من لا ينفعه التعليم أيضا و لا التنبيه كانقسام الأرض إلى ما يجتمع فيه الماء فيقوى فيتفجر بنفسه عيونا، و إلى ما يحتاج إلى الحفر ليخرج إلى القنوات و إلى ما لا ينفع فيه الحفر و هو يابس و ذلك لاختلاف جواهر الأرض في صفاتها، فكذلك اختلاف النفوس في غريزة العقل" ، قال تعالى على لسان حال الكفرة، و هم في السعير ﴿و قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ الملك/10، فقوله تعالى يفيد أن العقل يهدي صاحبه إلى الهدى و يرده عن الردى، وذلك عين جلب المصلحة و درء المفسدة، و به كان التكليف، و إليه توجه الخطاب، حتى قال العلماء "العقل مناط التكليف"
إن موضوع إدراك المصالح بالعقول موضوع عرف جدلا واسعا بين المعتزلة والأشاعرة الذين ذهبوا إلى أن العقل لا يحسن و لا يقبح، بخلاف المعتزلة الذين يرون أن الحسن و القبح ذاتيان عقليان، أي أن الأشياء و الأفعال و التروك موصوفة بالصلاح والفساد، قبل أن يأتي حكم الشرع بذلك، لكنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل ذهبوا إلى أن الإنسان العاقل مكلف بمقتضى عقله عند عدم وجود الحكم الشرعي، و معنى هذا أن الحكم الشرعي يثبت بالعقل كما يثبت بالسمع و الحقيقة أن الذين تورطوا من الأشاعرة، في إنكار الحسن و القبح الذاتيين و إنكار التحسين و التقبيح العقليين، إنما انجروا إلى ذلك بفعل الصراع الجدلي الطويل مع خصومهم المعتزلة ، ذلك أن إنكار ما في الأفعال من صلاح وفساد، و أن العقول تدرك من ذلك الشيء الكثير، ليس فحسب خروجا عن المعقول، و إنما هو تعطيل صريح لكثير من النصوص الشرعية،من ذلك الموقف الجليل للسيدة العظيمة، أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، و هو الوارد في قصة بدء الوحي، حيث عاد إليها رسول الله و قد أصابه من هول الوحي ما أصابه، فقص عليها الخبر و قال: (لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة، كلا و الله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، و تحمل الكَل، وتكسب المعدوم، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحق... ) ففطرتها النقية وحدها رضي الله عنها و عقلها السليم جعلها تستحسن أفعال رسول الله ، و تعتبرها من مكارم أخلاقه و فضائله عليه الصلاة و السلام، وليست مستندة في هذا كله إلى أي حكم شرعي. فمحبة الخير و الأمانة و الصدق، و تفريج الكرب والشدائد عن المنكوبين والمدينين، والإعانة على المعروف و الفضائل و منع الغرر و الضرر في المعاملات، و استنكار الظلم والخيانة والغدر، و طهارة المكان و البدن و الثياب، كلها أفعال تتسم بالمعقولية والمنطوقية، ولا يجحدها إلا أصحاب العقول المختلة.
إن تحكيم العقل ليس خطأ، و لكن تحكيمه في محاربة النص هو عين الخطأ. و أما الذين ذهبوا إلى أن القول بتحسين العقل و تقبيحه يفضي إلى القول بإمكان الاستغناء عن الدين و شريعته، فيمكن إبطاله من عدة نواحي، أولها : أن العقل نفسه يفضي بصاحبه إلى الإيمان بالأنبياء و التصديق بهم، و بأن ما جاؤوا به هو الحق الذي لا مرية فيه. ثانيها :أن العقل نفسه يصل إلى الاقتناع بما حوته الشريعة من حفظ المصالح على أكمل وجه، و حتى إذا لم يدرك ذلك على وجه التفصيل، فإنه يصل إلى إدراكه على وجه الإجمال، فكلما ازداد تعمق الدارس للشريعة و تفقهه فيها، كلما ازداد إدراكه لمحاسنها و كمال حفظها للمصالح، جملة و تفصيلا. ثالثها: أن القول بادراك العقل للمصالح و المفاسد لا يعني أن إدراكه تام مطلق، بل إنه يدرك و يعجز، ويصيب و يخطئ... و هذا ما سنوضحه أكثر في الخاصية الثالثة-بإذن الله- من خصائص المصلحة.
من هنا يتبين أن المصلحة المعتبرة في الشرع تكون معقولة لدى أولي الألباب و هذه أولى خصائص المصلحة الشرعية. قال علماء الشريعة:" معظم مصالح الدنيا، و مفاسدها معروف بالعقل" ، فقد خلق الله عقول بني آدم مهيئة لقبول الحق، و ليس الحق سوى رعاية مصالح العباد، و درء المفاسد عنهم، و التمييز بين النافع و الضار، و العقول مشيرة إليه، وقاضية به، لولا ورود الشرائع، و هو الذي لا يجوز انفكاك شرع عنه، فهي ترشد إلى حفظ النفوس، و الزجر عن القتل بالقصاص
• حقيقة لا وهمية: إن مفهوم المصلحة كما يتطابق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، فإنه ينضبط بها كذلك، بمعنى أن المصلحة إن ناقضت مقاصد الشريعة أو أحدها فهي ليست مصلحة على سبيل الحقيقة، حتى و إن بدا فيها نفع ظاهر، بل هي مفسدة يجب دفعها.
إن أهم ما تمتاز به الشريعة الغراء أنها واضحة السبل دقيقة الأصول و الموازين، فليس في قواعدها وأحكامها مجال للمتلاعبين أو المزيفين، من هنا لم يكن مرد المصلحة المعتبرة في الشرع إلى تقدير الناس فيما يكون به الصلاح و الفساد، فإذا حسب الناس أن التعامل بالربا مثلا بات مصلحة نحتاج إليها و لا يقوم أمر الناس إلا به، فهو بمقتضى هذا النظر مصلحة حقيقية، و من تم لزم الشريعة أن تتسع لقبوله بحجة أن الشريعة إنما قامت على تحقيق مصالح الناس، و مصلحة الناس كما يرى علماء في الاقتصاد مثلا و خبراء في التجارة لا تقوم إلا بالربا من أجل تنشيط الحركة التجارية و النهوض بها. إن أمثال هؤلاء لم يفقهوا معنى المصلحة المعتبرة في الشرع، و لم يستوعبوا أي مصلحة نريد.
من هنا فإن كل ما توهمه الناس مصلحة، مما هو نابع من هوى النفس و مخالف للشرع، كل ذلك ليس من المصلحة في شيء و إن توهمه من توهمه، فلا بد من ضبط المصلحة بضابط "الاعتبار الشرعي" حتى تتميز عن "المنفعة الدنيوية الصرفة" المنفلتة من ضوابط الدين.
• غير مصادمة لأصل أو دليل: إن المصلحة المعتبرة شرعا يفترض فيها أن لا تعارض أصلا من أصول الدين، أو تخالف دليلا من الأدلة الشرعية من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح، و من تم فنتائج خبرات الناس و تجاربهم يجب عرضها على نصوص الشريعة و أحكامها الثابتة، فما وافقها أخذ به، و ما خالف ذلك وجب طرحه و إهماله واعتباره مصلحة ملغاة. ذلك أن نصوص الشريعة لم تلغ مصلحة دلت عليها تجارب الناس وعلومهم مما هو مفطور عليه الإنسان السوي. و أما دعوى تعارض النص و المصلحة فمردود، و نورد هنا مسألتين نموذجيتين في ذلك مع التفصيل في المسألة الأولى و هي مسألة الصيام، فقد ذهب الرئيس التونسي السابق و مؤسس الدولة التونسية الحديثة، الحبيب بورقيبة إلى أن صيام رمضان يسبب تعطيل الأعمال و ضعف الإنتاج، و دعا العمال سنة 1961 إلى الإفطار حفاظا على الإنتاج الذي يدخل ضمن الجهاد الأكبر... و رغم أن هذا مجرد ادعاء و افتراء لغياب دراسة شاملة و دقيقة، فإن حتى ثبوت ذلك، هو من قبيل المصلحة المتوهمة ذلك أن الصيام الحق يعني استحضار الرقابة الإلهية و من تم المزيد من الإخلاص في العمل و الزيادة في الإنتاجية، هذا من جهة، و من جهة أخرى، ألم يكن بالإمكان الاستفادة من الصوم في تنمية الإنتاج و زيادته، باعتبار الصوم مثلا يلغي وجبتين غذائيتين تقعان عادة في وقت العمل الإفطار و الغذاء، موفرا بذلك وقت هاتين الوجبتين، الذي يمكن الاستفادة منه لصالح العمل و الإنتاج.
ثم إن الصيام يمنع المدخنين عن التدخين، و معلوم أنه يأخذ من صاحبه وقتا مهما إذا ما احتسبت الدقائق المتكررة التي تهدر على مدى كل يوم، أضف إلى ذلك النقص الكبير في الإنتاج الذي يتسبب فيه التدخين نتيجة الحالة النفسية و البدنية و الصحية المهترئة للمدخنين. ألم يكن الأولى الدعوة إلى منع التدخين عوض منع الصوم !!
و كما يقول د.الريسوني و مع ذلك فلنذهب مع هذا الافتراض إلى نهايته، و لنقل: إن للصيام أثرا في نقص الإنتاج... فإذا فرضنا أن إنتاجنا يصاب في رمضان بنقصان كمي يصل العشر 10% مثلا، فماذا نربح من الصيام...هذا يحيلنا إلى كافة الفوائد الكائنة أو الممكنة في الصيام، سواء من الناحية الروحية، أو التربوية، السلوكية أو الصحية
إن أي عاقل وضع النقص -الذي قد يسببه الصوم في الإنتاج- في كفة، و الفوائد في كفة، لرجحت كفة الفوائد حتما، و سيختلف وزنه و تقويمه قطعا عما يروج له أمثال بورقيبة. و حتى على صعيد الإنتاج نفسه، فلا يمكن للصائم الحق إلا أن يمتنع عن الغش و الزور والاختلاس خشية من الله، و أن يندفع إلى العمل اندفاعا إخلاصا لله.
ونفس الشيء يقال في مسألة الحجاب، لمن يدعي أنه قرين الجهل و التخلف، فهو اليوم تظهر قيمته ومصلحته أكثر من أي وقت مضى، باعتباره رمزا للتحرر و الثبات على المبادئ، ورمزا للصمود والتحدي، بل رفضا للتيار الكاسح الذي يختزل المرأة ودورها في الجسد المنمق المعروض في كل مكان.
من هنا نخلص إلى أن المصلحة المعتبرة في الشرع تدركها الفطرة السليمة، ليعاضدها العقل السوي، فإذا عجز هذا الأخير التمس الهدي من الشريعة لترحم ضعفه أو تقوم عيبه أو ترد جموحه، فليس هنا في الإسلام أصل ديني يعارض العقل، كما أنه ليس هناك عقل فوق الدين، و لكن دين مطابق للعقل، و عقل مساعد للدين يفهم تكاليفه و يبحث في نواميس الكون ليدرك من خلالها عظمة الله الواحد الأحد.