الإسلام دين يقطر آدمية


محمد طلابي
إن المتدبر للوحي و المدونة الفقهية الكبرى لعلماء المسلمين فيما يخص قيمة الإنسان في الإسلام، سينتهي به إلى القول بأن الإسلام دين يقطر آدمية في كل آية من آيات الله سبحانه، و في كل قول أو فعل لرسوله صلى الله عليه و سلم. فحين يأمرنا مثلاً ديننا إلى شرب الماء مثنى و ثلاثى و أن لا نتنفس في الماء و قعوداً. فهي دعوة لأن نبقى آدميين. لأن الذي يشرب ماء دفعة واحدة و يتنفس فيه و قياماً هوالحيوان.ففلسفة الآدمية في الإسلام بالغة الحرص على اعتبار الإنسان مخلوق نوعي في هذا الكون المعلوم. متميزٌ عن عالم الحيوان، و مفضلٌ عند الله على كثير من خلقه.فهو آدمي في أحسن تقويم. و ليس حيواناً ذكياً و لا حيواناً ناطقاً و لا حيواناً اجتماعياً كما وصفته بذلك فلسفة الغرب سواء عند الفلاسفة القدامى من الإغريق أو عند المحدثين اليوم.و لذلك لم يصف علماؤنا و لا فقهاؤنا الإنسان بأنه حيوان ذكي أو حيوان ناطق. حرصاً منهم على آدميته التي وحدها تميزه عن بقية الخلق.و الآدمية أعلى درجات حقوق الإنسان. و هي الكرامة.و عند الإغريق هي قوة التيموس.
و الآدمية في نظري هي عنوان  فلسفة حقوق الإنسان في الإسلام، و أركانها خمسة: 
1.      الخلق في أحسن تقويم:
2.      التكريم الإلهي عند الخلق:
3.      نعمة العقل و العمل:
4.       نعمة تسخير الكون:
5.      التكليف و التشريف بالاستخلاف:
الخلق في أحسن تقويم
 كما يعلم الجميع أن تطور العلوم المادية و الإنسانية و فلسفة العلوم في العصر الحديث الأوروبي،انتهت إلى الدخول في جدال كبير حول نشوء الحياة على الأرض و نشوء الإنسان و تطوره في الزمان. ليتمخض ذلك الجدال على ظهور نظرية النشوء و الارتقاء مع داروين و المدرسة الداروينية.و هي محاولة لتفسير كيفية ارتقاء و تطور الكائنات الحية على سطح الأرض و من ضمنها الإنسان.و خلاصة هذه المدرسة أن الإنسان العاقل اليوم ليس هم نفسه عند الخلق الأول له. ففي زعمها أنه كان حيواناً يمشي على أربعة، قليل الذكاء و المهارات العقلية. بل كان قرداً و تطور في الزمان حتى أصبح مستقيما يمشى على رجلين، و اكتسب ذكاءه بالتطور و بالتحديات التي واجهته في مسيرته التاريخية الطويلة.فورَّث ذلك الذكاء المكتسب لذريته عبر الجينات الوراثية. فانتهى التراكم الكمي في الزمان بتحول نوعي في الحيوان غير العاقل. فأصبح إنساناً عاقلاً مستقيم القامة أو( الهومو سايبيان ).
و ضلت تلك النظرية (يقيناً) في عقول الناس لقرون، و ما زالت حية عند الكثير، إلى أن  أتبث العلم المادي أن نظرية داروين ليست أكثر من فرضية بحث أثبت العلم عدم صحتها. لقد أثبت العلم اليوم أن نظام الوراثة الجينية لا يسمح بتوريث الفعل المكتسب عند الإنسان لذريته من بني الإنسان. و ما دام المكتسب لا يورث فذكاء الإنسان فطري عند الآدمي من الخلق الأول إلى اليوم. و قامته المستقيمة السوية أمر فطري مند الخلق الأول حتى اليوم كما يؤكد البحث العلمي الصرف. فما مشى الإنسان في يوم من الأيام على أربعة و ما كان غير عاقل في يوم من الأيام كما تزعم الداروينية. فتوافقت نظرة العلم مع نظرة القرآن للإنسان. قال تعالى:((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ))(4) التين.
لقد خلق الله الآدمي دفعة واحدة، مكتمل الخِلْقَة في قامة مستقيمة و عقل قويم. إن بحث الداروينية عن قرابة دموية أو عرقية بين الإنسان و الحيوان ، سواء كان قرداأو سمكة أو غيرهما، هو تحقير للإنسان و تنقيص من آدميته و إهانة لكرامته.و هو موقف يتعارض مع روح حقوق الإنسان. فنظرية داروين تترك عند المؤمن بها أن الآدمي لا يخرج عن فصيلة الحيوان فيشعر الإنسان بالحقارة في قرارة نفسه، بعكس نظرة الإسلام للإنسان بأنه ليس حيوانا و لم ينحدر من سلالة حيوانية، فإنها تترك في النفس المؤمن بها  انطباعا بكون الآدمي مخلوق ذو قيمة خاصة لا ينافسها فيها الحيوان. و هذا يدفعه لعدم التشبه بالحيوان في أفعاله البهيمية. فانتشار كثير من الأفعال البهيمية عند الغربيين جذورها في الاعتقاد الفاسد للأصل الحيواني للإنسان.    
                                                     التكريم الإلهي عند الخلق
و الآدمية مرادفها الكرامة.قال تعالى: (( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً )) (70) الإسراء
الإنسان تركيب لثلاث قوى: قوة العقل و قوة الشهوة و قوة الكرامة أو التيموس بلغة فلاسفة الإغريق.فهذه القوى الثلاث أمر خِلْقي عند كل آدمي. لكن لمن الإمارة أو القيادة بين هذه القوى الثلاث؟ في المنظومة الحقوقية الغربية الإمارة لقوة الشهوة و العقل و الكرامة من خدامها. و في المنظومة الحقوقية الإسلامية القيادة للكرامة و العقل و الشهوة في خدمتها. و كرامة الفرد هي شعور الفرد بأن له اعتبار خاص وسط الجماعة التي يتقاسم معها العيش و الحياة مهما كانت وضعيته الاجتماعية. و الاعتبار هو شعوره بأن غيره يعترف له بقيمة تخصه و لا تتوفر عند غيره من الأفراد.له بصمة متفردة كبصمة الأصبع و الأذن و العين عند كل فرد بشري. و لدى يمكن القول بان الشعور بالآدمية أو الكرامة هو الشعور بقيمتك الاعتبارية عند الغير. أي الشعور بالتفضيل في أمر خاص. فحينما تجردني من أية قيمة اعتبارية تجردني فعلاً من آدميتي و كرامتي. و هذا مناف لروح حقوق الإنسان. و قس كرامة الجماعات و الأمم على كرامة و آدمية الفرد. فحينما تنكر أمة عن أمة قيمتها الخاصة و بصمتها الحضارية الخاصة، فإنها تهينها و تجردها من آدميتها و كرامتها. و تكريم الإسلام للإنسان هو شعور الإنسان باعتبار خاص وسط المخلوقات التي تعيش في محيطه.قال تعالى: (( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ...وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً )). فالكرامة هي شعورك بشعور الغير بقيمتك. و أعلاها أن تشعر بأن لك قيمة خاصة عند خالقك سبحانه. و ليس فقط عند مخلوقاته.و هذا ما نشعر به و نحن نتلو و نتدبر الآيات في أكثر من سورة من سور القرآن. و نقرأ و نتدبر سيرة الرسول صلى الله عليه و سلم. قال تعالى: ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)) (34) البقرة.فأعلى درجات الاعتبار للإنسان عند الله تعالى تجسده هذه الآية التي أمر الله فيها الملائكة بالسجود لآدم احتفالاً بخلقه. و هو سجود تكريم لبني آدم و ليس سجود تعبد. لقد كرمنا العلي الكريم بأمر يخصه سبحانه و هو السجود. هذا الأمر الجلل يؤكد على أن حفظ الآدمية إحدى المقاصد العليا للشريعة الإسلامية.
                                                نعمة العقل و العمل
و من أركان الآدمية خاصيتا العقل و العمل.قال تعالى: ((وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا )) البقرة. ثم قال: ((وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(78) النحل. و هذه ميزة خاصة بالبشر في الكون المعلوم. لقد أنعم الله عليه بملكة العقل و ما يحويه من مهارات فطرية كالتدبر و التفكر و الملاحظة و التحليل و التركيب و قوة الخيال و غيرها كثير.و بذلك استحق صفة آدمي. فهو المخلوق الوحيد في الكون المعلوم المالك لقابلية التعلم الذاتي بفضل ما أودعه الله فيه من أجهزة لاستقبال المعرفة و المعطيات و البيانات و القدرة على معالجتها. و هذه الأجهزة هي السمع و البصر و الفؤاد.و الفؤاد يشمل قوة العقل و قوة الوجدان و قوة العمل. و قد صنف علماء المصالح الشرعية هذه الحقوق في المرقى الأول من مقاصد الشريعة الخمس وهي: حفظ الدين و النفس و العقل و العرض و  المال.
و من الميزات الخاصة بالإنسان دون غيره هي نعمة العمل. و لهذا اقترن النداء في الآيات القرآنية بين الإيمان و العمل و تكراره . (( يا أيها الذين آمنوا و عملوا الصالحات...)) و الفرق بين الإنسان و الحيوان في باب السلوك أن الحيوان تحكمه الغرائز و الآدمي تحكمه الأعمال. فالعمل فعل واعٍ و الغريزة فعل غير واعٍ. و العمل فعل تسبقه فكرة أو هدف سديد أو غير سديد يرتسم في دهن الإنسان فبل الفعل السلوكي. و الغريزة فعل سلوكي غير مسبوق بهدف أو فكرة مرتسمة في دهن الحيوان. مما يجعل الهوة سحيقة بين الكائن الآدمي و الكائن الحيواني.
و قد زودنا القرآن الكريم و الحديث الشريف بطرائق التفكير الراشدة لتفجير طاقاتنا الذهنية و تحويلها لعمل و إنتاج نافع.
و أولها تعلم طرح السؤال. أو تحديد الإشكالية بلغة البحث العلمي اليوم.و كما قال العالم النحوي الكبير الخليل بن أحمد الفراهيدي: (( العلم أقفال مفاتيحه السؤال)). فآيات القرآن الكريم في صيغة سؤال بدون جواب صريح كثيرة للغاية. (( أ فلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟...)). فطرح السؤال من خصائص الإنسان لا الحيوان. فتعلم طرح السؤال السديد ينتج فكراً سديداً و ممارسة سديدة.و من هنا تأتي أهمية هذا الركن من أركان فلسفة الآدمية.  
نعمة تسخير الكون
أما الركن الرابع لفلسفة حقوق الإنسان بميزان الإسلام فهي مطواعية الكون لتحقيق مصالح الناس الضرورية و الحاجية و التحسينية.فهو مرفق استراتيجي و دائم للعمران.فهو مسخر بإذن الله كمرفق إن تم تسخيره برفق و رحمة. قال تعالى:((وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))(13) الجاثية .
و هناك نوعان من التسخير. تسخير عيني كالهواء الذي نتنفسه، و الماء الذي نشربه، و النبات و الحيوان الذي نتغذى عليه، و المعادن و الصخور التي تساعدنا على تيسير الحياة. و هناك تسخير باطني و ما أروعه، و هو خلق الكون و ا لطبيعة وفق سنن و قوانين ثابتة لن تجد لها تبديلاً و لا تغيراً.بدءاً من الذرة و انتهاء بالمجرة، و مروراً بالخلية الحية.و لولا ثبات السنن المادية ما كان بإمكان الإنسان تسخير الكون لقضاء حجاته. فلو كانت السنن التي تحكم المادة متقلبة و كل يوم هي في حال، ما استطعنا ركوب الطائرة و السفينة و السيارة. و ما استطعنا إنجاز كل هذه الثورة العلمية و التكنولوجية الجبارة.و كانت ستكون نعمة العقل و العمل بلا فائدة. إذ سيكون العقل عاجز عن تفجير طاقاته الهائلة في حالة عدم الثبات في السنن المادية للكون.و ستكون الاكتشافات العلمية و التقنية من باب العدم. وأمر التسخير الباطني ميسر للآدمي لا لغيره من المخلوقات الأرضية.فالتسخير جوهر في الحقوق. و مقصده هو حفظ النظام في الطبيعة و الكون الذي أصبح حقاً إنسانياً بالغ الأهمية،يصنف في المرقى الأول من مقاصد الشريعة الإسلامية.
التكليف و التشريف بالاستخلاف
 ( التمكين العملي للآدمية ):
(( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ))( 30) البقرة
فالإنسان خليفة الله في الأرض حينما يحكم بشرع الله.فما أعظمه تكريم و تشريف و تكليف لبني آدم. و ما تكليفه بهذه الأمانة العظمى إلا لعلم الله ما لهذا المخلوق من قدرات هائلة لا تتوفر لغيره من مخلوقاته. و هو ما لا علم للملائكة به.فالاستخلاف في الأرض هو العبادة الشاملة للخلق. و العبادة الشاملة ليست أكثر من تحقيق الآدمية في الإنسان، و الآدمية في السلطان، و الآدمية في العمران البشري.و بذلك تتنزل حقوق الإنسان في الواقع الحي بلا نقصان، في كل أجيالها السياسية و المدنية، الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، و حفظ النظام في الكون بسلامة البيئة الطبيعة و التنمية المستدامة و السلام الدولي. فتغشى البشرية رحمة الله الرحمن الرحيم.